د. غالب القرالة:
ألفاظ الشعراء وعباراتهم :
الشعراء :
صفية الدغيم
ليلاس زرزور
سميرة بن حسن
اميرة صليبة
- وان الفاظ الشعراء وعباراتهم كانت تختلف في التجارب الذاتية المتصلة اتصالا مباشرا بعواطف الشاعر وحياته عنها في الموضوعات الوصفية او التي اصبحت من التقاليد المعروفة للقصيدة العربية وان كثيرا من الالفاظ التي كانت تستخدم في وصف الاطلال والرحلة والابل والوحش قد اختفت من معجم الشعراء الاسلاميون بالتدريج حتى اصبحت تعرف بالغريب .وقد قام الشعراء العذريين بدور كبير في تطور المعجم الشعري فقد جنحت التجربة العاطفية المجردة بهؤلاء الشعراء الى الاعتماد على الالفاظ المعبرة عن المشاعر والانفعالات وبنوا عباراتهم على نحو بسيط واضح يعكس – بساطة-تجاربهم ووضوحها .فالتجربة العاطفية عند العذرين تجربة واضحة المعالم محدودة الابعاد لاتكاد تفترق كثيرا من شاعر الى شاعر .وصورتها – لذلك – تكاد تخلو من المفارقة والظلال والتركيب ولا يحتاج الشاعر فيها الى البحث عن الفاظا ذات مقدرات خاصة في التصوير والتلوين والمفارقة كما يحدث حين يصور الشاعر تجربة اقل تجردا او اكثر اتصالا بجوانب اخرى من الطبيعة والحياة والمجتمع .
ان شعرهم ينبع من جيشان عاطفي متصل ويكاد يمضي في تيار واضح لايكاد يحيد عنه او يتفرع منه ووسيلة تعبيره وهي تلك الالفاظ المالوفة المشتركة بين الناس التي اكسبتها الحياة والممارسة قدرة على التاثير والايحاء في مجال الحديث عن العواطف ومن هنا استطاع هؤلاء الشعراء ان يقتربوا بشعرهم من لغة الحياة وان يناوا به عن تلك الفحولة المعهودة في معجم كبار الشعراء واساليبهم وان يخافتوا من ايقاعه فيقل فيه الصخب الذي الفناه في شعر هؤلاء الكبار : ونحن نقراء هذا الشعر اليوم فلا نكاد نحس فروقا تذكر بين لغته وبناء عبارته وما يروى في كتب الادب والتاريخ من نثر ذلك العصر .ولا نعني بهذا انه شعر يفتقد طابع الفن ولكنا نريد ان نؤكد اقترابه من تلك اللغى التي اخذت تتضح خصائصها بالتدريج في ظل المجتمع الاسلامي حتى اكتملت لها صورتها المستقلة كما نعهدها فيما تنقله الكتب من احاديث الناس ومحاوراتهم وقصصهم واسمارهم وفيما يكتب به المؤرخون والادباء والمؤلفون من اساليب.والحق ان هذا الدور الذي قام به هؤلاء الشعراء في مجال التطور اللغوي لم يكن طفرة غير مسبوقة وان اللغة العربية في العصر الجاهلي لم تكن كلها – في الفاظها واساليبها – على هذا النحو الذي نصادفه في كثير من القصائد الطوال من استخدام لما اصطلح على تسميته بعد بالغريب ومن بناء خاص للعبارة يحقق لها من شدة التلاحم وحدة الايقاع ما اصطلحنا على تسميته بالجزالة فهناط كثير من المقطوعات وكثير من اجزاء القصائد الطوال تقترب الى حد كبير من اللغة العربية الاسلامية في الفاظها واساليبها وهناك من الشعر العاطفي كالا نكاد نفرق بينه وبين شعر العذرين في العصر الاموي . ونكتفي من ذلك بنموذج من شعر احد الشعراء الجاهلين يشبه الى حد بعيد شعر العذرين حتى لقد نسبت بعض ابياته اليهم ذلك هو قيس بن الحداوية الذي رحلت صاحبته الى الشام ومصر فرارا من القحط فقال بعد رحيلها :
سقى الله اطلالا بنعم ترادفت بهن النوى حتى حللن المطاليا
فليت المنايا صبحتني غدية بذبح ولم اسمع لبين مناديا
شكوت الى الرحمن بعد مزارها وما حملتني وانقطاع رجائيا
وقد ايقنت نفسي عشية فارقوا باسفل وادي الروح الا تلاقيا
خليلي ان دارت على ام مالك صروف الليالي فابعثا لي ناعيا
اذا ما طواك الدهر ياام مالك فشان المنايا القاضيات وشانيا
ويعلق ابو عمرو على تلك القصيدة التي اخترنا منه هذه الابيات بقوله – وقد ادخل الناس ابياتا من هذه القصيدة في شعر المجنون – والحق ان البيتين الاخيرين من هذه المقطوعة يردان ايضا في يائية المجنون الطويلة المعروفة .وسواء صحت نسبة الابيات الى ابن الحداوية ام الى المجنون فان ذلك يدل على ان رواة الشعر في ذلك العصر قد وجدوا تشابها واضحا بين لغتي الشاعر ين واسلوبهما .لكن مثل هذه القصائد تظل اعمالا مفردة لاتتخذ شكل الظاهرة كما اتخدها شعر العذرين .وقد نتج عن تلك البساطة وهذا الوضوح –اللغوين – او صاحبهما = ببساطة ووضوح في الصورة الشعرية ذاتها .فالشاعر يعبر في الاغلب تعبيرا تلقائيا بلا محاولة الابداع او التفنن معتمدا على حرارة العاطفة وايحاء الالفاظ المرتبطة بالمشاعر والانفعالات .ويلاحظ الدارس ان الشعر العذري قليل الاحتفال بالتشبيهات والمجازات التي كثيرا ما يستعين بها الشعراء في تركيب الصوره الشعرية وقد سبق الى هذه الملاحظة الدكتور شكري فيصل فقال متحدثا عن جميل:
ونحن لا نحس لدن قراءة هذه القطع اننا امام فنان يعمل عقله في شعره وانما نحس اننا امام شاعر يتحدث بنفسه عما يجيش بنفسه وبين هنا لم نشهد عند جميل ما كنا شهدناه عند الشعراء الجاهلين من كثرة التشابه والصور ...تمضي القطعة كلها وليس فيها اية صورة او استعارة وتنساب على انها حديث عادي حكاية حال يقصها الشاعر ولكنما يقصها في اسى وزفرة ويعرضها ولكنما يعرض بعرض معها قلبه وانفعالاته فان هذه الانفعالات وما يصحبها من مشاهد الحياة الداخلية وتقلقلها والتاثيرات التي تكسوها تعوض عن الصورة التي تعود الشعراء ان ينشروها في قطعهم بين البيت والبيت والشطر والشطر.
ومن هنا لم تكن البراعة الفنية عند جميل وعند امثاله من الشعراء والعذرين في اساليبهم البيانية وانما كانت قبل كل شيئ واكثر في تعرفهم لسرائر النفوس وفي عرضهم لها عرضا يسيرا.
لكن اذا كان هؤلاء الشعراء قد تخلوا عن كثير من الوسائل الجوهرية في رسم الصورة الشعرية فلاشك انهم قد استعاضوا عنها بوسائل اخرى تلائم ذلك المنحنى النفسي الباطني المجرد وتلك العواطف الجياشة التلقائية .ومن اول تلك الوسائل استخوافهم لحشد من الالفاظ العاطفية والانفعالية على نحو غير مالوف من قبل.
وقول للشاعرة صفية الدغيم :
كفى قد تعبت
من الصمتِ حينَ يكونُ عليكَ كلامي ثقيلا
ومن رصدِ وقعِ الخطا حين تدنو إليَّ قليلا
ومن وخزِ قلبي وتكرارِ قولكَ صبراً جميلا
كفى قد تعبت
فما عادَ يشفعُ لي دمعُ عيني وطولُ السهر
ولو شهدَ الليلُ لي والنجومُ وضوءُ القمر
وهذا السريرُ المرتّبُ حينَ ينامُ البشر
وتلكَ الوسادةُ والدمعُ بلّلها كالمطر
كفى قد تعبت
فما عادَ يعنيكَ أمري ولا عدتَ تسألُ عني
ولا عادَ قلبكَ يرقصُ كالطفلِ حينَ أغني
ولا عادَ ينفعُ منكَ اعتذارٌ ومني التمنِّي
و صرتَ تُكذِّبُ دعوايَ إن قلتُ أنكَ أني
فدعني لصمتي ووجدي وأبعد ضجيجكَ عني
وقول رد :
كن لي كثاني اثنينِ في كوخٍ لَنا ..
نحيا معاً ويكونُ ثالثُنا الهَنا
كن لي كمرآتي التي في غرفَتي ...
فإذا أشرتُ إليكَ أعنيني أنا
وقول للشاعرة ليلاس زرزور:
لحن الهوى ...
كم أنثني والحب فيكم مترف
وأقيم قداس الجنون وأهتف
إني كما المجنون زاد صبابة
والروح عطشى للندى تتلهف
حسبي لقلبي أن يموت صبابة
نار الغرام لهيبها هل يأسف
قلب من الإزهار لون خافقي
والحب يعزفني وقلبي يرجف
نظراته فاضت حنينا داخلي
ولهى على كف الغدير ترفرف
مازلت أحبو في المشاعر والهوى
وبحبه قلبي له يتصوف
ه
أواه يازهر القرنفل عشقنا
نبض الحنين مع الضنى كم يجرف
روح تحاصرني بروحي دائما
وأتى له سحر البيان يزخرف
وثملت حتى البوح من خمر الهوى
ولكم تكتم في العيون تلهف
و عرفت معنى الحب من جمر الجوى
كيف القلوب عن الهوى قد تصرف
وكتبت في عينيك كل قصائدي
لحن الهوى من حبكم يستنزف
بيني وبينك ألف آه ضمها
شوق الفؤاد على الضلوع يهفهف
وقول للشاعرة سميرة بن حسن :
كالمدى في ثناياه السحر
بحر موجه العاتي قدر
مثل يونس يقذفني
عار ينتظر
أقتطف الربيع
كي أغطي جنوني فيك
علني أحظى بلقاء
تتلوه السور
ما المها...ما الحور
ما الهﻻل...وما القمر
عيناك على أرصفة الحزن
ضحكة عذراء بها الذنب مغتفر
أنت يا عطر قرطاج
في أنوثة عشتار
علميني كما أنكيدو البشر
كيف أحب.....
كيف أحيا.....
كيف أكون إنسانا.....
وقول للشاعرة اميرة صليبة :
خذني إليك بدفئ حضنك أرتمي
ربّت على كتفي وقل نامي احلمي
خذني إليك أتوه من فرط الجوى
عشقاً ولوعاً فيه شعّت أنجمي
أشتاق للعينين أعبر لجّها
أغرقتني ببحورها فلترحمِ
أشفق على قلبي الذي تيمته
من ذاك حبك ربكتي وتلعثمي
دعني هناك أذوب في جمر اللظى
أشكو إليك لواعجي وتظلًمي
أشتاق دفء يديك حين تلمني
لو لفني ذاك الظلام بأعتمِ
ما زلت أرغب في وصالك واللقا
بل استشف هوى بثرِّ المبسمّ
ذاك المعتق كلما طال النوى
بسلافه قد طاب منه تيممي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق